أبي منصور الماتريدي

247

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله تعالى : قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها . هو على ما ذكرنا . وقوله تعالى : فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ . أراد - واللّه أعلم - أن يرى الآية في نفسه ، والآية هي آية البعث ، ويحتمل أن تكون آية في المتأخرين . وقوله تعالى : قالَ كَمْ لَبِثْتَ . سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده ، ليظهر أنه اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعه ؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد بما يدرك في ظاهر الحال ، وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب . قال الشيخ - رحمه اللّه - : أراد اللّه تعالى بقوله : كَمْ لَبِثْتَ ، التنبيه ؛ كقوله لموسى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؛ [ طه : 17 ] ، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين : مرة بإماتة الحمار ، إذ من طبعه الدوام ، ومرة بإبقاء طعامه ، ومن طبعه التغير والفساد عن سريع . جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه الفساد ، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء ؛ ليعلم ما نازعته نفسه في كيفية الإحياء درك ذلك ؛ وهو قوله : قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ثم قيل في وجهة ما أراه بأوجه : قيل « 1 » : إنه أحياء عينيه وقلبه ، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه . وقيل : أحيا نفسه ، فأراه ذلك في حماره . وقيل « 2 » : إنه أراه ذلك في ولده ؛ لأنه أتى شابّا ، وولده وولد ولده شيوخ . وذلك آية . قال الشيخ - رحمه اللّه تعالى - في قوله : ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ . . . الآية : فإن قال قائل : كيف سأله عن لبثه ، وقد علم أنه لم يكن علم به ؟ وأيد ذلك إخباره بقوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ . قيل : القول كَمْ لَبِثْتَ ، يحتمل وجهين ؛ وكذلك القول بقوله : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ

--> ( 1 ) قاله علي بن أبي طالب ، أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب كما في الدر المنثور ( 1 / 587 ) ، وعن مجاهد وابن جريج وقتادة وغيرهم عند ابن جرير . ( 2 ) قاله الأعمش ، أخرجه ابن جرير عنه ( 5946 ) ، وعن عكرمة أخرجه سفيان بن عيينة وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 1 / 590 ) .